عندما يخسر الحلم أمام الواقع: قصة عبد الستار… ومرآة الاستثمار للشباب في تونس

عاد إلى وطنه بقلب مليء بالأمل، لا بالمال فقط.

عبد الستار بالاكحل، شاب تونسي قرر بعد سنوات من الغربة أن يفعل ما يدعو إليه الجميع:
الاستثمار في بلاده بدل الهجرة منها.

لم يعد باحثاً عن راتب… بل صانع فرص.

جلس بجوار والدته، بين أهله وذكرياته، وبدأ مشروعاً فريداً من نوعه، مشروعاً لم يكن مجرد تجارة بل فكرة حياة، أراد به أن يثبت أن النجاح ممكن داخل تونس، وأن الشباب قادر على البناء لا الرحيل.

لكن ما حدث لاحقاً كان صدمة تتكرر كل يوم… مع عشرات الشباب.


بداية الحلم

عبد الستار لم يأتِ ليجرب فقط، بل خطط واشتغل وراهن على الاستقرار.
استثمر ماله وخبرته وعلاقاته… واختار البقاء.

المشروع بدأ فعلاً.

زبائن… سمعة طيبة… طموح يكبر.

إلى أن دخل عنصر لا يُذكر في دراسات الجدوى:
الخوف.

مشروع يتجاوز مفهوم التجارة

لم يكن مشروع عبد الستار بالاكحل مجرد محل أو استثمار عابر.
“Le Colonel” كان فكرة مختلفة… رؤية تحمل بصمة شاب عاد إلى تونس ليصنع نموذجاً جديداً في عالم الفضاءات العصرية.

  • فضاء عصري بتصميم خاص

  • هوية بصرية مدروسة

  • روح شبابية واضحة

  • تجربة متكاملة للحرفاء

“Le Colonel” كان أقرب إلى مساحة تجمع بين:
الذوق الرفيع، الابتكار، والجرأة في الطرح.

هذا النوع من المشاريع يعكس عقلية استثمار حديثة تعتمد على:

  • خلق تجربة

  • بناء علامة مميزة

  • الاستثمار في الجودة والصورة

وليس فقط بيع منتج.


قيمة المشروع اقتصادياً

أهمية المشروع لا تكمن فقط في شكله الجميل، بل في تأثيره:

  • خلق مواطن شغل مباشرة وغير مباشرة

  • ضخ أموال استثمارية قادمة من الخارج

  • تحريك الدورة الاقتصادية المحلية

  • تقديم نموذج يلهم شباباً آخرين للعودة والاستثمار

عندما يعود شاب بخبرة خارجية ويستثمر في بلاده، فهو لا يفتح مشروعاً فقط…
بل ينقل ثقافة عمل جديدة.


البعد النفسي للمشروع

الأهم من رأس المال هو الرسالة التي حملها المشروع:

يمكن النجاح في تونس.

عبد الستار عاد ليجلس بجوار أمه، ويبدأ من جديد.
هذا القرار وحده يحمل قيمة رمزية كبيرة.

مشروعه كان إعلاناً بأن:
الاستثمار في الوطن ليس مخاطرة فقط… بل واجب وانتماء.

لكن عندما تتعرض مثل هذه المبادرات للسرقة والضغط والابتزاز، فإن الضرر لا يصيب المستثمر وحده، بل يصيب صورة المناخ الاستثماري بأكمله.


السرقة ثم الابتزاز

في ليلة واحدة، لم يخسر المال فقط… بل الأمان.

تعرض مشروعه للسرقة.
ثم لم تتوقف الأمور عند ذلك الحد، بل تحولت إلى ضغط وابتزاز.

الرسالة كانت واضحة بطريقة غير مباشرة:

النجاح في بعض الأماكن يحتاج حماية أكثر من رأس المال.

من هنا بدأ الصراع الحقيقي…
ليس صراع تجارة، بل صراع بقاء.


محاولة الصمود

رغم الصدمة، لم ينسحب.

حاول الإصلاح، إعادة الانطلاق، إعادة الثقة.
كان يريد فقط فرصة عادلة للعمل.

لكن الخسارة الاقتصادية يمكن تعويضها…
أما الخسارة النفسية فلا.

ثم جاءت الضربة الأقسى.


احتراق السيارة… واحتراق القرار

احترقت سيارته بالكامل فجأة.
لم يبق منها شيء.

هنا لم يعد السؤال:
هل المشروع ينجح؟

بل أصبح:
هل يمكن العيش أصلاً؟

في تلك اللحظة انتهى الصراع الداخلي…
واتخذ القرار.


العودة إلى فرنسا… بلا رجعة

قرر عبد الستار العودة إلى فرنسا.
ليس لأنه فشل في التجارة…
بل لأنه فشل في إيجاد بيئة تحمي النجاح.

غادر، مثل كثيرين، لا هرباً من الوطن
بل بحثاً عن الطمأنينة.

وقالها بوضوح:
لن يعود للاستثمار في تونس مرة أخرى.


القصة ليست فردية

قصة عبد الستار ليست حادثة معزولة، بل نموذج متكرر:

  • شباب يعود بخبرة

  • يبدأ مشروعاً

  • يصطدم بالبيروقراطية أو الفوضى أو التهديد

  • ثم يهاجر من جديد

وهنا نخسر أكثر من مشروع…

نخسر:

  • خبرة

  • عملة صعبة

  • فرص تشغيل

  • والأهم… الثقة


المشكلة الحقيقية

الشباب لا يخاف من الخسارة التجارية
بل من غياب الحماية.

المستثمر يستطيع مواجهة السوق
لكن لا يستطيع مواجهة:

  • الفوضى

  • الابتزاز

  • غياب الردع

  • الشعور بعدم الأمان

فالاستثمار لا يحتاج فقط قوانين…
بل يحتاج إحساساً بأن النجاح لن يُعاقب.


الخلاصة

عبد الستار لم يغادر لأنه لم يربح.
غادر لأنه لم يشعر أنه يستطيع الاستمرار.

وهنا السؤال الأكبر:

كم عبد الستار نحتاج أن نخسره
قبل أن ندرك أن أخطر هجرة ليست هجرة العقول…
بل هجرة الثقة؟

مقالات ذات صلة